






بَينما أبدَأُ هذه المسيرةَ مَع تِلميذَيّ عِمّاوس، أتَذَكَّرُ أنَّ اللهَ يَنظُرُ إلَيَّ بِحُبٍّ كَبير. أَقضي بَعضَ اللَّحظاتِ لأَهدَأَ وأَصمُتَ، وأفتحُ قَلبي لاستقبالِ فَرحِ الإنجيل- فَرحٍ يَصفُهُ البابا فَرنسيس بأنَّهُ "يملأُ قَلبَ وحَياةَ كلِّ مَن يَلتقونَ بيسوع ."
[1]
لِنتَأَمَّلْ معًا في إنجيلِ القديس لوقا. ولْنُرافِقِ التّلميذَينِ في الطَّريقِ إلى عمّاوس.
أقضي بَعضَ اللَّحظاتِ للاسترخاء… أتخيّلُ الـمَشهدَ وكأنَّني حاضِرٌ مَعهُما. ما مَدى اتّساعِ الطَّريق؟ هل هُو مُـمَهَّدٌ… أَم تُغطّيهِ الأترِبة؟ هل تُوجَدُ أَشجارٌ على الطّريق؟ هل أرى مُسافرينَ آخرينَ على الطَّريق أم أرى فَقط يسوعَ والتِّلميذَين؟ كيفَ تَبدو إضاءةُ الطَّريق؟ ما مدى سُطوعِ شَمسِ الظَّهيرة؟
هذا النَّصُّ الإنجيليّ طَويلٌ نِسبيًّا، لِذَلكَ سنتناولُهُ بِبُطء- على عِدّةِ محَطّات. بَعدَ كُلِّ مَحطّةٍ سَنتوقَّفُ قليلًا لِنَمنحَ أَنفُسَنا فُرصةَ البَقاءِ مَع الكَلمة… والتَّذوُّقِ بِعُمقٍ أَكبرَ لهذا اللِّقاءِ مَع يَسوع.
١٣وإِذا بِٱثنَينِ مِنهُم كانا ذَاهِبَينِ، في ذٰلكَ اليَومِ نفسِه، إِلى قَريَةٍ اِسمُها عِمَّاوُس، تَبعُدُ نَحوَ سِتِّينَ غَلوَةً مِن أُورَشَليم. ١٤وكانا يَتَحدَّثانِ بِجَميعِ هٰذِه الأُمورِ الَّتي جَرَت. ١٥وبَينَما هُما يَتَحَدَّثانِ ويَتَجادَلان، إِذا يسوعُ نَفْسُه قد دَنا مِنهُما وأَخَذَ يَسيرُ معَهما، ١٦على أَنَّ أَعيُنَهُما حُجِبَت عن مَعرِفَتِه. ١٧فقالَ لَهما: «ما هٰذا الكَلامُ الَّذي يَدورُ بَينَكُما وأَنتُما سائِران؟» فوَقفا مُكتَئِبَين. ١٨وأَجابَه أَحَدُهما وٱسمُه قَلاوبا: «أَأَنتَ وَحدَكَ نازِلٌ في أُورَشَليم ولا تَعلَمُ الأُمورَ الَّتي جَرَت فيها هٰذِه الأَيَّام؟» ١٩فقالَ لَهما: «ما هي؟»
·
لِنَتعرَّفْ إلى شَخصيّاتِ هذهِ القِصّة: تِلميذَين في طَريقِهِما إلى عِمّاوس. الأَوَّلُ اسمُهُ قَلاوبا. والآخَرُ لَم يَتمْ ذِكرُ اسمِهِ- قَد يَكونُ صَديقَهُ أو حتّى زَوجتَه. كانا يَسيرانِ معًا، غارقَينِ في حَديثٍ ثَقيلٍ ومُؤلم. ويَبدو أنَّ الحُزنَ كانَ يُخيّمُ على قَلبَيهِما.
أثناءَ سُطوعِ شَمسِ الظَّهيرة، يَقتَرِبُ يسوعُ لِيَنضَمَّ إليهِما -لكنَّهُما لَم يَعرِفاه. أتخيّلُ هذا المشهد. كيفَ يَبدُوان؟
١٩فقالَ لَهما: «ما هي؟» قالا له: «ما يَختَصُّ بِيَسوعَ النَّاصِريّ، وكانَ نَبِيًّا مُقتَدِرًا على العَمَلِ والقَولِ عِندَ اللهِ والشَّعبِ كُلِّه، ٢٠كَيفَ أَسلَمَه عُظَماءُ كَهَنَتِنا ورُؤَساؤُنا لِيُحكَمَ علَيهِ بِالمَوت، وكَيفَ صَلَبوه. ٢١وكُنَّا نَحنُ نَرجو أَنَّه هو الَّذي سيَفتَدي إِسرائيل. ومعَ ذٰلكَ كُلِّه فهٰذا هوَ اليَومُ الثَّالِثُ مُذ جَرَت تِلكَ الأُمور. ٢٢غيرَ أَنَّ نِسوَةً مِنَّا قد حَيَّرنَنا، فإِنَّهُنَّ بَكَرنَ إِلى القَبْرِ ٢٣فلَم يَجِدنَ جُثمانَه فرَجَعنَ وقُلنَ إِنَّهُنَّ أَبْصَرْنَ في رُؤيةٍ مَلائكةً قالوا إِنَّه حَيّ. ٢٤فذهَبَ بَعضُ أَصْحابِنا إِلى القَبْر، فوَجَدوا الحالَ على ما قالَتِ النِّسوَة. أَمَّا هو فلَم يَرَوه». ٢٥فقالَ لَهما: «يا قَليلَيِ الفَهم وبطيئَيِ القَلْبِ عنِ الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِه الأَنبِياء. ٢٦أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟» ٢٧فبَدأَ مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما في جَميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه
·
أتأمّلُ هذهِ الكَلمات. فالتّلميذان، وَسطَ إحباطِهِما، يُعبّرانِ عَنِ الرَّجاءِ الّذي كانَ يَسكُنُهما: أنْ يَكونَ يسوعُ هُو الـمُخلّصُ الـمُنتظَر، المسيح. لكنَّهُ رَجاءٌ بدا وكأنَّهُ انهارَ بموتِ يسوعَ على الصّليب.
وفي هذا الوقتِ تَحديدًا -في ارتباكِهِما وخَيبةِ آمالِهما-بدأَ يسوعُ يَتكلَّمُ إلَيهِما. وتَحدَّثَ مَعهُما مُستَنِدًا إلى ما قالَهُ الأَنبياء في الكُتُبِ الـمُقدّسة… فأَشرقَ في قَلبَيهِما نُورٌ جَديد. أقضي بَعضَ الوَقتِ للتَّأمُّل: تُرى ما هي مَشاعرُ التّلميذَينِ عِندَما عَرَفا أنَّ اللهَ الكَلمةَ يَتحدَّثُ معهما مُباشَرةً- مِن خلالِ آمالِهما وطُموحاتِهما ومُعاناتِهِما؟ وإن كانَ مِنَ الصَّعبِ أنْ أتخيّلَ ذَلك، فَلا بأس. فَقط أبقى قَريبًا مِنهُما… وأحاولُ بِرفقٍ أنْ أدخُلَ إلى ما يَدورُ في قَلبَيهِما، مِن دُونِ ضَغط.
٢٨ولمَّا قَرُبوا مِنَ القَريَةِ الَّتي يَقصِدانِها، تَظاهَرَ أَنَّه ماضٍ إِلى مَكانٍ أَبعَد. ٢٩فأَلَحَّا علَيه قالا: «أُمكُثْ مَعَنا، فقد حانَ المَساءُ ومالَ النَّهار». فدَخَلَ لِيَمكُثَ معَهما. ٣٠ولمَّا جَلَسَ معَهُما لِلطَّعام، أَخذَ الخُبْزَ وبارَكَ ثُمَّ كَسَرَه وناوَلَهما. ٣١فٱنفَتَحَت أَعيُنُهما وعَرفاه فغابَ عنهُما.
·
لم يكنْ حِوارُهُما مع يسوعَ سِوى بدايةٍ لشيءٍ أعمق - بدايةِ مَسيرةٍ نَحوَ قُربٍ أكبرَ مِنهُ. لقد دَعواهُ ليمكُثَ معهُما، وجلسوا للطّعام. ثُمَّ حَدثَ أمرٌ غيّرَ كُلَّ شيء: أخذَ يسوعُ الخُبزَ وبارَكَ وكَسَر. وفي تلكَ اللّحظة، انفتَحت أعينُهُما. وكأنَّ ما حدثَ كانَ مألوفًا بالنِّسبةِ إلَيهِما- وكأنَّهُما رَأيا هذا المشهدَ مِن قَبل. ولَكنْ رُبّما مِن أَيدٍ أُخرى… حُضورٍ آخَر…. أم إنَّه الحدَثُ ذاتُه؟ ولكنَّ شيئًا ما تَغيَّرَ. عادَتِ الدَّهشة. وانفتحَ قلباهُما مِن جديد لعَملِ اللهِ فيهِما. أتأمَّلُ هذهِ اللّحظات.
تُرى بماذا يَشعُران؟ وأنا- بماذا كنتُ سأشعُرُ لَو كُنتُ جالسًا معهم حَولَ تِلكَ المائدة؟
٣٢فقالَ أَحَدُهما لِلآخَر: «أَما كانَ قَلبُنا مُتَّقِدًا في صَدرِنا، حينَ كانَ يُحَدِّثُنا في الطَّريق ويَشرَحُ لَنا الكُتُب؟» ٣٣وقاما في تِلكَ السَّاعَةِ نَفْسِها ورَجَعا إِلى أُورَشَليم، فوَجَدا الأَحَدَ عشَرَ والَّذينَ مَعَهم مُجتَمِعين، ٣٤وكانوا يَقولون إِنَّ الرَّبَّ قامَ حَقًّا وتَراءَى لِسِمْعان. ٣٥فرَوَيا ما حَدَثَ في الطَّريق، وكَيفَ عَرَفاه عِندَ كَسْرِ الخُبْز.
(لو24: 13-35)
·
قالَ أَحدُ الشُّعراءِ يومًا إنَّ في القلبِ أماكنَ لا نُدرِكُ وُجودَها، حتّى يأتي يومٌ تَشتَعِلُ فيهِ بالنّار. وهذا أشبَهُ بما حدثَ للتّلميذَينِ وكانَ ذلكَ بمثابةِ تَلَقّي عَطِيّةٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُس. فمِن خلالِ هذه النّارِ الـمُتَّقِدةِ في قُلوبِهِم، يُدرِكُ التّلميذانِ حُضورَ يسوعَ بَينَهُما. وهُنا يَتغيّرُ كُلُّ شَيء. فنُهوضُهُما عَنِ المائدةِ هوَ بمثابةِ قيامَتِهِما مِنَ الحُزن… بَل ومِنَ الـمَوت. ويَعودُ التِّلميذانِ إلى أُورَشليم، دُونَ تَردُّدٍ أو خَوفٍ مِنَ الظُّلمة، بَل بِاندفاعٍ داخِليّ لا يَقودُهُ الضَّغطُ أوِ الإلزام، بل يَنبُعُ مِن قَلبٍ امتلأَ بفَرحِ البِشارة. أتأمَّلُ هذهِ الصُّورةَ قليلاً: كيفَ يبدو لي ذلكَ النَّوعُ مِنَ الفَرح؟
أتخيَّلُ التِّلميذَينِ وهُما يَنطلقانِ مُسرعَينِ نَحوَ أُورَشليم. خُطواتُهما سريعة، وقلباهما يَفيضانِ فَرحًا. لا يَقدرانِ أنْ يَحتِفظا بهذا الخبرِ لأَنفُسِهِما. لابُدَّ أنْ يُخبِرا الآخرينَ عمّا جَرَى في الطّريق، وكيفَ انفتَحتْ أَعينُهُما فَعَرَفا يسوعَ عِندَ كَسرِ الخُبز. أبقى مع هذا المشهد، بماذا أشعُرُ وأنا أُشاهِدُهُما؟ أقضي بَعضَ اللَّحظاتِ الآنَ وأتكلَّمُ معَ يسوعَ عن ذلك.
أيُّها الرَّبُّ يسوع
لقد مَنحتَني كُلَّ شَيء
كَلِمَتَكَ، حُضورَكَ، وصَداقتَكَ.
والآنَ أُقدّمُ ذاتي إلَيكَ
لأنّني أرغبُ بأنْ أكونَ مُتاحًا لِرسالتِكَ الـمَليئةِ بالرَّحمة.
أَعطِني فَقط مَحبّتَكَ ونِعمَتَكَ،
فذلكَ يَكفيني.
آمين.
[1]
البابا فرنسيس، الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل