




اليوم الثاني – كلمة الله
بَينما نَستكمِلُ هذه المسيرةَ بِصُحبةِ تِلميذَيّ عِمّاوس، أتَذكّرُ: أنَّ اللهَ يَنظرُ إليَّ بالفعل بمحبَّةٍ غامِرة - ويرغبُ بالتَّحدُّثِ مَعي والإصغاءِ إليَّ. أقضي بعضَ اللَّحظاتِ للتَّأنِّي… والسُّكون… وأفتحُ قَلبي لقُبولِ هذا السِّرِ العظيم: "اللهُ الآبُ بادَرَ بفَتحِ حِوارِ الخلاصِ مَعنا" بِحَسَبِ وَصفِ قَداسةِ البابا بولُسَ السادس.
[1]
لِنَدخُلْ إلى الجُزءِ الأوّلِ مِن رِوايةِ تلميذَيّ عمّاوس. أنتبهُ بِشَكلٍ خاصّ إلى الحوارِ الّذي دارَ بينَ يسوعَ وتِلميذَيه.
١٣وإِذا بِٱثنَينِ مِنهُم كانا ذَاهِبَينِ، في ذٰلكَ اليَومِ نفسِه، إِلى قَريَةٍ اِسمُها عِمَّاوُس، تَبعُدُ نَحوَ سِتِّينَ غَلوَةً مِن أُورَشَليم. ١٤وكانا يَتَحدَّثانِ بِجَميعِ هٰذِه الأُمورِ الَّتي جَرَت. ١٥وبَينَما هُما يَتَحَدَّثانِ ويَتَجادَلان، إِذا يسوعُ نَفْسُه قد دَنا مِنهُما وأَخَذَ يَسيرُ معَهما، ١٦على أَنَّ أَعيُنَهُما حُجِبَت عن مَعرِفَتِه. ١٧فقالَ لَهما: «ما هٰذا الكَلامُ الَّذي يَدورُ بَينَكُما وأَنتُما سائِران؟» فوَقَفا مُكتَئِبَين. ١٨وأَجابَه أَحَدُهما وٱسمُه قَلاوبا: «أَأَنتَ وَحدَكَ نازِلٌ في أُورَشَليم ولا تَعلَمُ الأُمورَ الَّتي جَرَت فيها هٰذِه الأَيَّام؟» ١٩فقالَ لَهما: «ما هي؟» قالا له: «ما يَختَصُّ بِيَسوعَ النَّاصِريّ، وكانَ نَبِيًّا مُقتَدِرًا على العَمَلِ والقَولِ عِندَ اللهِ والشَّعبِ كُلِّه، ٢٠كَيفَ أَسلَمَه عُظَماءُ كَهَنَتِنا ورُؤَساؤُنا لِيُحكَمَ علَيهِ بِالمَوت، وكَيفَ صَلَبوه. ٢١وكُنَّا نَحنُ نَرجو أَنَّه هو الَّذي سيَفتَدي إِسرائيل. ومعَ ذٰلكَ كُلِّه فهٰذا هوَ اليَومُ الثَّالِثُ مُذ جَرَت تِلكَ الأُمور. ٢٢غيرَ أَنَّ نِسوَةً مِنَّا قد حَيَّرنَنا، فإِنَّهُنَّ بَكَرنَ إِلى القَبْرِ ٢٣فلَم يَجِدنَ جُثمانَه فرَجَعنَ وقُلنَ إِنَّهُنَّ أَبْصَرْنَ في رُؤيةٍ مَلائكةً قالوا إِنَّه حَيّ. ٢٤فذهَبَ بَعضُ أَصْحابِنا إِلى القَبْر، فوَجَدوا الحالَ على ما قالَتِ النِّسوَة. أَمَّا هو فلَم يَرَوه». ٢٥فقالَ لَهما: «يا قَليلَيِ الفَهم وبطيئَيِ القَلْبِ عنِ الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِه الأَنبِياء. ٢٦أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟» ٢٧فبَدأَ مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما في جَميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه.
(لو24: 13-27)
يَرجِعُ التّلميذانِ إلى دِيارِهِما، حامِلَينِ على أَكتافِهِما عِبئًا يَفوقُ طاقتَهُما وهو فُقدانُ يسوع، الّذي كانا قد عَلَّقا علَيهِ آمالًا كَبيرة. أمّا يسوع، فَقَد بادَرَ بالاقترابِ مِنهُما وسَألَهُما سُؤالًا بسيطًا: "عمَّ تتَحدَّثانِ طَوالَ الطَّريق؟" لَم يُحاوِلْ أنْ يَشرحَ شيئًا أو يُعطيَ مَواعظ. بل أَصغى إلَيهِما. يُظهِرُ لي يسوعُ القائمُ من بَينِ الأموات، صُورةَ الرَّبِّ الّذي يهتّمُ بي اهتمامًا عميقًا. هل يُفاجئُني هذا الخَبر؟ هل تَقابَلتُ مَع اللهِ كَمَن يُصغي لأَفراحي وآمالي وأَحزاني وقَلقي… كرَبٍّ يُريدُ التَّحدُّثَ إلَيَّ؟
لا تُعَدُّ كَلِمةُ اللهِ إعلانًا إلَهيّاً فحسب، بل إنّها تَروي لنا قِصّةَ شَعبٍ يَتعلّمُ كَيفَ يَتحرَّرُ - في مَسيرةٍ مَليئةٍ بالثِّقةِ والشَّك، بالجَمالِ والخيانة. وكُلُّ ذَلكَ يَقودُني إلى يسوع، الكَلمِةُ صارَ جَسدًا، ويُرافِقُني نَحوَ الحُرّيَة. هل أتذكَّرُ مَوقفاً كُنتُ فيه قَريباً مِنهُ، وشَعرتُ حِينَها بالحُرّيَة؟ بالحُرّيَةِ في أنْ أرى حُبَّ اللهِ في حياتي؟
إنَّ يسوعَ كَلمةَ الله، لا يَكتفي بالكَلامِ فَحَسْب، بل ويَبدأُ بالإصغاءِ إلى أَصدقائِهِ وتَلاميذِه. واستِماعُه لَيسَ مُجرّدَ تَلَقٍّ عابر… لِذَلكَ لا يُريدني أنْ أستمعَ إلَيهِ فَقط. إنَّ هذا الاستماعَ السّلبيّ هُو للعَبيد لا للأصدقاء. لِذَلك أُصغي إلَيه وهُو يسألُني: عمَّ تتحدثُ طَوالَ الطَّريق؟ ما الذي يَشغَلُ قلبَكَ؟ ماذا تُريدُ أنْ تقولَ لي؟ ما الذي تَراهُ حَولَكَ؟ أفتَحُ لَهُ قلبي لِيُحاكيَ قَلبَهُ.
في هذا النَّصِّ الإنجيليّ، يَحكي قَلَوبا ليسوعَ أنَّ النِّساءَ أَبصَرنَ في رُؤيا مَلائكةً قالوا إِنَّه حَيّ - ولكنَّ التّلاميذَ لَم يُصدّقُوهُنّ. في بَعضِ الأحيان، تُعطينا الحياةُ عَلاماتٍ لِبدايةٍ جَديدة… ولكنّنا نَتجاهلُ هذهِ العَلامات- رُبّما لأنَّنا نَنظُرُ إلى الأُمورِ بِسَطحيّةٍ أو أنَّ قَسوةَ قُلوبِنا تُشتِّتُ انتباهَنا. هل تُوجدُ عَلاماتٌ للقيامةِ في حياتي؟ رُبّما في الأشياءِ الصّغيرةِ الّتي لَم أكُن مُتأكّدًا مِنها… ولكنّها أَيقَظتِ الرَّجاءَ فيَّ مِن جَديد؟
·
يُفَسّرُ يسوعُ مَسيرتَهُ، أيّ رِسالتَهُ، مَوتَه وقيامتَهُ، بالإشارةِ إلى مُوسى والأنبياء، وذَلكَ لأنَّ مُوسى النّبيّ حَرّرَ شَعبَه، كما أنَّ الأنبياءَ أَعلنوا الحاجةَ إلى حُرّيّةٍ جَديدة، عِندَما كَتَبَ اللهُ شَريعتَهُ في قُلوبِ شَعبِهِ. فيما بَعد، وَصَفَ التِّلميذانِ ما شَعرا بِه يينما كانَ يُفسّرُ لَهُما يسوعُ الكُتبَ المُقدّسة بأنَّ قلبَيهِما كانا مُتَّقِدَين. أتكلَّمُ مَع يسوعَ عمَّا شَعَرتُ بِه خِلالَ هذا التّأمُّل… وإذا أرَدتُ، يُمكنني أنْ أطلبَ مِنهُ أنْ يُوقِدَ قَلبي.
أيُّها الرَّبُّ يسوع
لقد مَنحتَني كُلَّ شَيء:
كَلِمَتَكَ، حُضورَكَ، وصَداقتَكَ.
والآنَ أُقدّمُ ذاتي إلَيكَ
لأنّني أرغبُ بأنْ أكونَ مُتاحًا لِرسالتِكَ الـمَليئةِ بالرَّحمة.
أَعطِني فَقط مَحبّتَكَ ونِعمَتَكَ،
فذلكَ يَكفيني.
آمين.
[1]
Cf. Pope Paul VI, *Ecclesiam Suam *72.