




نَصِلُ في مَسيرتِنا مَع تِلميذَيّ عمّاوسَ اليَومَ إلى المائدة بِرفقَةِ ثلاثةِ أشخاص… ورَغيفِ خُبز. أتخيّلُ أنّني هناك. ألـمِسُ الطَّاوِلةَ الخَشبيّةَ بِيَدي… وأتذكّرُ: اللهُ يَنظُرُ إليَّ بمحبَّةٍ غامِرة، ويَرغبُ بأنْ أشاركَ حياتي مَعَه. أقضي بَعضَ الوَقتِ للهُدوءِ… والسُّكون… لأفتحَ قَلبي لاستقبالِ حُضورِ اللهِ البَهيّ، حَيثُ "اشتَعلَ الفَرحُ مِن جَديد، وتَدفّقتِ الطّاقةُ مِن جَديد، وعادَتِ الذّاكرةُ لِتَشكُر" بِحسَبِ البابا لاونَ الرابعَ عَشر
[1]
.
لِنَبدأْ معًا الجزءَ الثّاني مِن قِصّةِ تِلميذَيّ عمّاوس. أتأمّلُ جَيّدًا حَركةَ الرَّبِّ يسوع.
١٣وإِذا بِٱثنَينِ مِنهُم كانا ذَاهِبَينِ، في ذٰلكَ اليَومِ نفسِه، إِلى قَريَةٍ اِسمُها عِمَّاوُس، تَبعُدُ نَحوَ سِتِّينَ غَلوَةً مِن أُورَشَليم. ١٤وكانا يَتَحدَّثانِ بِجَميعِ هٰذِه الأُمورِ الَّتي جَرَت. ١٥وبَينَما هُما يَتَحَدَّثانِ ويَتَجادَلان، إِذا يسوعُ نَفْسُه قد دَنا مِنهُما وأَخَذَ يَسيرُ معَهما، ١٦على أَنَّ أَعيُنَهُما حُجِبَت عن مَعرِفَتِه.(…)
٢٧فبَدأَ مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما في جَميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه. ٢٨ولمَّا قَرُبوا مِنَ القَريَةِ الَّتي يَقصِدانِها، تَظاهَرَ أَنَّه ماضٍ إِلى مَكانٍ أَبعَد. ٢٩فأَلَحَّا علَيه قالا: «أُمكُثْ مَعَنا، فقد حانَ المَساءُ ومالَ النَّهار». فدَخَلَ لِيَمكُثَ معَهما. ٣٠ولمَّا جَلَسَ معَهُما لِلطَّعام، أَخذَ الخُبْزَ وبارَكَ ثُمَّ كَسَرَه وناوَلَهما. ٣١فٱنفَتَحَت أَعيُنُهما وعَرفاه فغابَ عنهُما.
(لو24: 13-15/27-31).
بادَرَ يسوع وَاقتربَ مِن هذَينِ الصَّديقَين، اللذَين لَم يَعرِفاهُ في البداية. ولكنَّ يسوعَ أَصغى إلَيهِما وساعَدَهُما على رُؤيةِ بُطءِ قَلبَيهِما عَن الإيمان. لَقدَ شَرحَ لَهُما النبوّات. وعِندَ كَسرِ الخُبز، انفَتحتْ أَعينُهُما. يسوع لا يَستَعجِلُ أبدًا. واللهُ لا يَفرِضُ حُضورَهُ على أَحَد. يسوع يَنتظرُ أنْ يَقولَ لَهُ التّلميذان: "اُمكُثْ مَعنا." فيسوع هُو الوَجهُ المرئيُّ لتَأنّي اللهِ مَعنا. هَل أُريدُ أنْ أَدعُوَ يسوعَ لِيَمكُثَ مَعي اليَوم؟
·
في كُلِّ مَرَّةٍ يَجتمعُ فيها المؤمنونَ للاحتفالِ بالإفخارستيّا، يَجعلُ الرُّوحُ القُدس حُضورَ يسوعَ الحيّ يَقتربُ مِنّا: في الكتابِ الـمُقدّس، في كَسرِ الخُبز، وفي كأسِ الخلاص. فَمِن خِلالِ الكَلماتِ والإيماءات، تَنفتحُ أَعيُنُنا لِنَرى الله، وتَدُبُّ بداخلِنا الحياةُ من جَديد. هلِ اختبرتُ أو تَمنَّيتُ أنْ أختبرَ هذهِ النِّعمةَ مِن الرُّوحِ القُدُسِ مِن قَبل؟
سارَ يسوعُ مَع التّلميذَينِ مَسيرةً خارجيّةً وداخليّةً أيضًا. عِندَ جُلوسِهِم إلى المائدة، استمرّتِ المسيرةُ الدّاخلية. يَستقبلُ يسوع كُلَّ ما يَعيشُونَهُ ويُغيّرُهُ بِكلمتِه، ويُغَذِّيهِ بحُضورِه. ماذا أوَدُّ أنْ أستَودِعَ في يَدِ يسوعَ اليَومَ فَيُغَيِّرُهُ ويُغَذِّيه؟
يَهَبُنا اللهُ كَلمَتَهُ مِن خلالِ حِوارِه مَع آمالِنا الإنسانيّةِ وقَلقِنا البشَريّ. ويَهَبُنا حياتَهُ مِن خِلالِ كَسرِ الخُبز، فَيمنَحُنا يسوعُ القائمُ مِن بَينِ الأمواتِ نُورًا حَيًّا لِعَلاقَتِنا مَع اللهِ وعَلاقَتِنا مَع إخوَتِنا وأَخَواتِنا. هل يُمكنُني أنْ أتخيَّلَ مُجتَمعًا مَبنيًّا على الحوارِ والـمُشاركة؟ كيفَ سَيكونُ هذا الـمُجتمع؟
لَقد وَعدَنا يسوعُ بأنْ يبقى مَعَنا إلى الأبد. فَهُو حاضرٌ في وَسطِنا خاصَّةً مِن خِلالِ الإفخارستيّا، وأيضًا مِن خلالِ الفُقراء."هٰذا هو جَسَدي" (لو22: 19) "الحقَّ أَقولُ لَكم: كُلَّما صَنعتُم شَيئًا مِن ذٰلك لِواحِدٍ مِن إِخوَتي هٰؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه" (مت25: 40). في أيٍّ مِنهُما أرى يسوعَ بِسُهولة؟ وأينَ أراهُ بِصُعوبة؟ أقضي بَعضَ الوَقتِ للتّكلُّمِ مَع يسوعَ عَن هذا الأمر.
أيُّها الرَّبُّ يسوع
لقد مَنحتَني كُلَّ شَيء:
كَلِمَتَكَ، حُضورَكَ، وصَداقتَكَ.
والآنَ أُقدّمُ ذاتي إلَيكَ
لأنّني أرغبُ بأنْ أكونَ مُتاحًا لِرسالتِكَ الـمَليئةِ بالرَّحمة.
أَعطِني فَقط مَحبّتَكَ ونِعمَتَكَ،
فذلكَ يَكفيني.
آمين.
[1]
قداسة البابا لاون الرابع عشر، المقابلة العامّة (الأربعاء 22 تشرين الأوّل/أكتوبر 2025)